تحليل سؤال فلسفي – التلميذة هبة الله لحفيضي

تبدع التلميذة هبة الله لحفيضي في الكتابة الفلسفية وتوهبنا مقالا فلسفيا منسوجا بخيوطه الابستمولوجية

تحليل ومناقشة سؤال فلسفي ابستمولوجيا ضمن مجزوءة المعرفة: «هل يمكن اعتماد المنهج التجريبي أساسا لبناء كل المعارف العلمية؟»

  • الاسم الكامل: هبة الله لحفيضي
  • القسم: علوم فزيائية خيار فرنسي
  • الأستاذ: يوسف القرشي
  • المؤسسة الثانوية: مدرسة الخالد مديرية مراكش
  • النقطة المحصل عليها: 20/20

ملاحظة: هذه الورقة بمثابة إجابة للتلميذة هبة الله لحفيضي على فرض محروس في مادة الفلسفة صيغة السؤال الفلسفي، وتبين لي بعد قراءته يستحق النشر والتقاسم لأنه يحمل في ذاته شيئا من الابداع ويرقى لمستوى الكتابة الانشائية الفلسفية، من أجل أن يستفيد منه الجميع وخلق نقاش حول الكتابة الفلسفية.

«هل يمكن اعتماد المنهج التجريبي أساسا لبناء كل المعارف العلمية؟»

هبة الله لحفيضي

لا سبيل للحديث عن المعرفة إلا بالرجوع إلى مفهوم العقل، هذا المفهوم الذي كان يعيش فترة مخاض مع سقراط القائل: «أيها الانسان اعرف نفسك بنفسك»، فكان خطابه خطابا أخلاقيا أكثر منه معرفيا، فظل العقل جامدا حتى مع أفلاطون الذي جاء بتصور الكون المغلق (الكوسموس اليوناني) الذي ربطه بحقيقة مغلقة ومحددة سلفا، والذي أقر بعجز الذات عن بناء الحقائق، بل إنها تكتفي باكتشافها فقط، لتظهر بعده الفيزياء التقليدية مجسدة في الفلك البطليمي القائل بأنه ما دامت الأرض ثابتة فإن الإنسان جزء ثابت ضمن كون مغلق، ليظل هذا الأخير حبيس تصور وعقل مغلقين، ولتعزز بذلك نظرية بطليموس ما جاء به أفلاطون، فظل تصور «الإنسان الثابت» مخيما آنداك ولم يرقى إلى المستوى المطلوب إلا مع كوبرنيك الذي مهدت نظريته لبناء صرح فكري جديد من خلال التأكيد على حركية الأرض ومن ثمة تحرك الحقيقة المؤدية إلى تحرك العقل، ليستغل ديكارت هذا التمهيد ويؤسس على نظرية معرفية جديدة قوامها الذات الإنسانية من خلال اكتشاف جزيرة العقل ومن ثمة هدم مفهوم «العقل القديم» للتأسيس لعقل جديد هيئت فيه التربة الخصبة لنمو فكر معرفي جديد تحت لواء ما يسمى «نظرية المعرفة»

لقد فتحت هذه الأخيرة آفاقا جديدة للذات الإنسانية لتطوير معارفها العلمية بدءا بالعلوم الطبيعية وصولا إلى العلوم الإنسانية مطلع القرن العشرين التي تمثل محاولة لاستكناه الوجود الإنساني و محدداته، على اعتبار أن المعرفة بعد هام يكشف عن الفاعلية البشرية بوصفها فاعلية مبدعة، هذه المعرفة العلمية التي لا سبيل لبلوغها إلا عن طريق النظرية باعتبارها بناء فكري يشكل نسقا من المبادئ الفكرية التي تظل حبيسة المستوى الذهني، أو عن طريق التجريب (التجربة العلمية) الذي يحيل على المفهوم العلمي الاختباري للكشف عن القانون الضابط للظاهرة. لذلك فإن تأرجح المعرفة العلمية بين ما هو نظري تارة وبين ما هو تجريبي تارة أخرى جعل موضوع المعرفة العلمية موضوعا إشكاليا يدفعنا إلى التساؤل عن: ما أساس الذي نستقي من خلاله المعرفة العلمية؟ هل التجربة أم النظرية؟ وما الفرق بينهما؟ وهل التجربة دوما واقعية أم أنها قد تدخل في إطار ما هو نظري افتراضي؟ بمعنى آخر: هل يمكن اعتماد المنهج التجريببي الواقعي أساسا لبناء كل المعارف العلمية أم أن الأمر يستلزم عنصر الخيال كذلك؟

 

لمقاربة الإشكال الذي ينطوي عليه السؤال المطروح، يقتضي الأمر الحسم مع الأدوات الاستفهامية المؤسسة لبنيته، ف «هل» أداة استفهام تفيد التخيير بين قضيتين متقابلتين قد يصرح بهما معا، وقد يصرح بإحداهما مع إضمار الأخرى، حيث أن الطابع لهذه الأداة يقتضي إجابتان محتملتان «نعم» أو «لا» علاوة على ذلك، فإن السؤال يضم بين جوانبه مفهومين أساسيين، أولهما «المنهج التجريبي» باعتباره مجموعة من الخطوات والمراحل التي يسلكها الباحث بغية بلوغ المعرفة العلمية، والتي تختزل بدورها في أربع خطوات رئيسية وهي: الملاحظة كمعاينة أولية للظاهرة المراد دراستها، فالفرضية وهي فكرة أولية لم تثبت صحتها بعد، إنها اللحظة التي تلتقي فيها ذات العالم بموضوع الظاهرة المدروسة، ثم تليها التجربة كممارسة مختبرية ملموسة تؤكد صدق الفرضية وصحتها، ويأتي أخيرا الاستنتاج أو ما يسمى بالقانون العلمي الذي يرقى لدرجة العلمية ويصبح قانونا مرجعيا. أما المفهوم الثاني الذي يحمله السؤال فهو «المعارف العلمية» باعتبارها مجموع الخبرات والتجارب العلمية المكتسبة انطلاقا من التجربة العلمية كأساس للمعارف العلمية. ومنه فإن الخيط الناظم بين المعارف العلمية والمنهج التجريببي يكمن في الترابط الذي يجمعهما معا، ذلك أن المنهج التجريبي القائم على التجريب بإمكانه قيادة الباحث لبلوغ المعرفة العلمية عن طريق تتبع مختلف مراحل المنهج التجريبي.

وفي هذا السياق، نستحضر التصور التجريببي الكلاسيكي الذي يقر بمصداقية التجربة في تقديم المعارف العلمية، أي أن التجريب هو الطريق الملكي المؤدي إلى معرفة النظرية العلمية. ولعل ما يجسد هذا التصور هو ظاهرة «سقوط الأجسام» في المجال الفيزيائي، فلتحليل ومعاينة هذه الظاهرة الفيزيائية يقتضي منا الأمر ملاحظة أولية ثم طرح تساؤلات لفهم الظاهرة ثم اقتراح فرضيات، لكن الوقوف عند الافتراض العقلي يشكل صدا منيعا أمام اكتشاف الحقيقة وراء سقوط الأجسام، إذ يجب التحقق من صحة الفرضية أو خطئها عن طريق التجريب، لأنه إذا كان العالم يلاحظ ثم يفترض فإن الافتراض يظل مجرد تصور لا يرقى لدرجة العلمية إذا لم تؤيده التجربة العلمية. لذلك فإن النظرية العلمية إذن لا تبنى إلا انطلاقا من التجريب، فلا قيمة للنظرية العلمية سواء من حيث هي صياغة لمجموعة من القوانين التجريبية، وهي تكون علمية متى كانت متطابقة مع نتائج التجربة. و لعل هذا ما نلمسه أيضا من خلال النتائج التي تقدمها الفيزياء الكلاسيكية في هذا الإطار و كذا علوم الحياة و الأرض ، و عموما في إطار ما يسمى بالعلوم الطبيعية، حيث يجد العالم نفسه أمام ظواهر مادية تحتاج للإدراك الحسي و توظيفه من حيث ملاحظات، معاينات أولية،  فرضيات، تجارب و استنتاجات… و خير مثال على ذلك، نذكر التجربة الشهيرة حول بول الأرانب للعالم كلود بيرنارد، حيث بدأ الباحث بالملاحظة الحسية الأولية للظاهرة  و معاينته للفرق على مستوى البول لدى فئة من الأرانب، لجأ إلى وضع فرضيات متعلقة بسبب صفاء و حمضية بول هذه الأرانب رغم كونها حيوانات عاشبة ، فلفتت الظاهرة نظر الباحث و أراد أن يلتمس القانون الذي يتحكم فيها، فاقترح فرضا عقليا ليأخذه في تحقيقه، و هو أن الأرانب توجد في حالة غذائية مشابهة للحيوانات اللاحمة، لذا لجأ الباحث إلى طريقة الاختلاف، أي أنه لم يبقى حبيس المستوى الافتراضي  فكانت النتيجة نفسها، ثم لجأ إلى طريقة الاتفاق في حالة واحدة مع تغيير سائر  الظروف، و من خلال إجراء تجربة الخيول و معاينة مختلف النتائج، ليخلص إلى قانون علمي يقول أنه في حالة الإمساك عن الطعام، فإن الحيوانات العاشبة تقتات من ذاتها عبر أنسجتها الدموية.

وبالتالي فإن الموقف المعبر عنه في السؤال يقر بأن المعارف العلمية أساسها التجريب، كما قال الفيلسوف بيير دوهييم: الاتفاق مع التجربة هو الذي يشكل بالنسبة للنظرية الفيزيائية المعيار الوحيد للحقيقة. أي أن النظرية يتلخص دورها في وصف القوانين بدقة دون تقديم أي تفسير أو تعليل، بل إن التجربة هي المكلفة بذلك، ومنه فإنه لا يمكن معاينة أية ظاهرة إلا بإخضاعها إلى الواقع التجريبي الذي يطبق منهجه عليها ويدرسها ليصل إلى قانون علمي دقيق يمكننا من بلوغ المعرفة العلمية، لكن هل يمكن القبول بهذا الطرح كحل لإشكالية أساس المعارف العلمية؟ هل يمكن حصر منبع المعرفة العلمية فيما هو تجريبي واقعي فحسب أم أنه قد يدخل في إطارها هو نظري عقلي خيالي؟

إن الطرح الذي يضمه السؤال قيد المعالجة يحمل في طياته قوة متمثلة في إعطاء فرصة لإقامة حوار مع الطبيعة عن طريق التجريب، فالتجربة العلمية لا تكتفي بالاتصال مع الواقع بل بتوظيف الإدراك الحسي المنظم والمنسق في فهم الظواهر الطبيعية، إلا أن بعضا من هذه الظواهر يستحيل إخضاعها لممارسة تجريبية ملموسة ولعل الظواهر الميكرو فيزيائية شكلت حرجا بالنسبة للمناهج التجريبية الكلاسيكية، كونها هذه المناهج لاتسمن الباحث ولا تغنيه من جوع، إنه يظل قاصرا في غياب الافتراضات العقلية الخيالية.

ولعل من أبرز المؤيدين للتصور الكلاسيكي القائل بأساس التجريب في المعارف العلمية، نستحضر الفيلسوف ألكسندر كويري الذي  ميز ما بين التجربة العامية و العلمية و كسح الغبار عن هذا المفهوم، ذلك بأن التجربة العامية تطبقها الصدفة، إنها مجموع التجارب و الخبرات التي نراكمها من حياتنا اليومية، إنها تجربة خارج إطار منهجي علمي يطبعها التقليد العامي و غير مؤسسة على أي قانون علمي، على عكس التجربة العلمية التي هي تفكير داخل نسق فكري منظم (ممنهج)، و المراد منها الوصول إلى استنتاج أو قانون علمي، كما أنها لا تكون مجرد تقليد عامي بل تتجاوزه إلى الإبداع لذلك فان التجريب العلمي هو الذي ساهم في تطور العلم الكلاسيكي والتجربة العلمية التي استحضرها كويري في طرحه هي التي أسس عليها كلود بيرنارد موقفه، فالتجريب العلمي بحسبه هو ما يحدثه العالم الذي لا يكتفي بالإنصات للواقع بل يستنطقه محدثا خللا في الظاهرة المدروسة، إنه يقيم حوارا مع الطبيعة، فلا قيمة للفرضية العقلية المتخيلة دون تجريب والممارسة العلمية تجريب و ليس مجرد تجربة عادية، و العقل له دور ثانوي في هذه الممارسة مما يعني تجاوز برنار للتصور الفلسفي القديم(أفلاطون_ أرسطو)، أي الانتقال من الطرح التأملي التفكيري الى التطبيق والممارسة و حتى الحديث منه(ديكارت_كانط) للعقل و دوره في تأسيس كل المعارف عن طريق المنهج التجريبي الذي أسس عليه انطلاقا من الملاحظة، الفرضية، التجربة ثم القانون العلمي. معنى هذا أن الفرض العلمي يظل ذا قيمة ثانوية بالمقارنة مع التجريب الذي يحتل الرتبة الأولى في تأسيس النظرية العلمية.

و هو الأمر نفسه الذي ذهب إلى تأكيده عدة علماء فيزيائيين أمثال العالم ارنست ماخ الذي شكل بدوره امتدادا للاتجاه الوضعي لكونت، فقد ذهب ماخ في كتابه (مقدمة لمبادئ البصريات)إلى التأكيد على الروح العلمية التي تقتضي منا التقيد بمعطيات الخبرة وحدها دون افتراض شيء آخر وراءها، فمهمة العلم تكتفي بقياس المقادير كما تبدو مباشرة و كما تعطى لنا في الملاحظة إما على شكل كتلة أو حجم أو ضغط… فدور الحس إذن في بناء النظرية العلمية هو التجربة وحدها و ليس للافتراض العقلي أو الاستنتاجات الرياضية دور هنا، فالمنظور الاختباري يرى في التحقق التجريبي أساسا للنظرية العلمية و معيارا لعلميتها، أما العقل بمبادئه فإنه يظل تابعا للتجربة و لا يمكن لافتراضاته أن تصبح قانونا علميا إلا إذا تم التأشير عليها من طرف التجربة العلمية.

و خلافا لهذا التوجه، نجد تصورات فلسفية ترى في العقل وافتراضاته أساسا للمعرفة العلمية و أن التحقق التجريبي لا يعطي دلائل قطعية، و إنما يعطي مجرد تأكيدات غير مباشرة تكون جزئية و معرضة دوما للمراجعة، فهو لا يشكل إذن سوى فحصا من بين فحوص أخرى، ذلك أن اختبارات التماسك المنطقي للنظرية الواحدة أو ما بين نظريات عديدة تبقى لها مكانة مركزية في التكوين الفعلي للمعرفة العلمية وهذا ما حاول العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين تأكيده، ففي مؤلف له بعنوان (منهاج الفيزياء) يقول: «إذا كانت التجربة في بداية معرفتنا للواقع و في نهايتها، فأي دور يتبقى للعقل في العلم؟» انه يجيب بأن العقل يمنح النسق الفيزيائي بنيته، أما معطيات التجربة و علاقتها المتبادلة فيجب أن تطابق نتائج النظرية. إنه يوضح أن التجريب يمكن أن يرشد النظرية في اختبار المفاهيم الرياضية التي ستستعملها، إلا أنها لا يمكنها أن تكون المنبع الرئيسي الذي تصدر عنه، و إن بقيت حقا معيار المنفعة الوحيد بالنسبة للفيزياء على الرغم من الطابع الرياضي لبنائها، فإن المبدأ الخلاق الحقيقي يوجد في العقل الرياضي، و بهذا فقد تجاوز أينشتاين تلك النظرة التجريبية الضيقة للعلم عند الاختباريين الوضعيين، و جعل من التماسك المنطقي للنظرية أساسا وقواما لبنائها.

و في نفس السياق، نجد الفيلسوف روني طوم يؤكد على النظرية كمنبع للمعرفة العلمية عن طريق الافتراض العقلي و الخيال العلمي، مبينا أن المنهج التجريبي الكلاسيكي عاجز على مقاربة الظواهر الميكرو فيزيائيةو الماكرو فيزيائية لأنها موضوعات لا تقبل التجريب عليها، بل يجب الاعتماد على الخيال كتجربة ذهنية تأملية تفتحنا على الافتراض العقلي الذي يمكننا من بناء المعرفة العلمية، فالعلم أضحى يخلق موضوعاته و يركبها بطريقة فرضية استنتاجية. و منه فإن روني طوم يدعو إلى إكمال الواقعي بالافتراضي لبناء المعارف العلمية، لأن ليس كل الظواهر الطبيعية في متناول التجريب، بل أصبح من الضروري فتح أفق آخر للبحث ألا و هو الخيال العلمي.

حاصل القول رغم الأهمية التي يحتلها التجريب في البحث العلمي وصياغة النظرية العلمية، فإنه يظل قاصرا في غياب الافتراضات العقلية المتخيلة، لذا تمت الاستعانة بمناهج عقلية نظرية أثبتت مساهمتها الوازنة في تأسيس وإبداع النظريات العلمية، إلا أن العقل المبدع للنظريات العلمية لم يقطع حبال الوصال مع التجريب، إنه يعود إليها لإضاءتها بمناهج دقيقة، مما يجعلها أكثر دقة وفعالية. لذا فالتكامل هو السمة المميزة للعلاقة بين النظرية والتجربة العلمية، إذ لم يعد هناك تناقض بين العقلانية التجريبية. ولعل هذا ما نبه إليه الفيلسوف الألماني كانط في قولته الشهيرة: «الحدوس الحسية بدون مفاهيم عقلية تظل عمياء، والمفاهيم العقلية بدون حدوس حسية تظل جوفاء.» لكن هل يعكس هذا التعدد والاختلاف عمق التفكير الفلسفي وغناه وحيويته في التفكير حول أساس المعرفة العلمية أم أنه يعبر عن عقم الفلسفة العاجزة عن إيجاد حلول مناسبة؟

إغلاق