مجزوءة السياسة: التقديم الإشكالي والمفهومي (نصوص وأنشطة للإشتغال)

بعد مجزوءة الوضع البشري ومجزوءة المعرفة، يتم معالجة مجزوءة أخرى ثالثة وهي مجزوءة السياسة، ولفهم وتأطير هذه المجزوءة إشكاليا ومفاهيميا، سنشتغل على نصوص مقترحة، لنقوم في الأخير بصياغة تقديم نظري للمجزوءة:

أولا:  النصوص  والأنشطة 

نص رقم 1 :
إن الحياة السياسية لدى الإغريق وفي العصر القديم الكلاسيكي، على ما قد نستطيع القول، لهي حياة مشروطة تمام بوجود المدينة (La Cité) تلك التي تقوم في دنيا السياسة لدى الإغريق بالدور ذاته الذي تقوم به دولنا المعاصرة، على اختلافها عنها اختلافا جذريا. كل أفكارها تتضمنها، وبنظرهم لا حضارة إلا حضارة <<المدينة>> هي هبة الآلهة مثلها مثل القمح: وهي السبيل للتمييز بين الهيلينيين المتمدنين وبين البرابرة الجهلاء الذين يعيشون قبائل. والمدينة هي وحدة سياسية لا تتقلص إلى تجمع حضاري: فهي التنظيم السياسي والإجتماعي الموحد لأرض محدودة يمكن أن تضم مدينة واحد أو عدة مدن…”
جون توشار، تاريخ الأفكار السياسية، ترجمة  ناجي الدراوشةـ الطبعة الأولى 2010، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر،ص17
نص رقم 2:
يقول جوليان فروند 1921-1933 “السياسة فاعلية اجتماعية تتوخى ضمان الأمن الخارجي والوفاق الداخلي لكيان سياسي معين –بواسطة قوة مؤسسة عموما على الحق- النظام في خضم الصراعات المتولدة عن تنوع وتضارب الآراء والمصالح“.
نص رقم 3
تعريف السياسة لغويا: السياسة مشتقة من فعل ساس يسوس. يقال  سَوَّسَهُ القوم : جعلوه يَسُوسُهم . ويقال : سُوِسَ فلان أمر بني فلان ، أي كُلِّف سياستهم. وسُوِسَ الرجل أمور الناس ، إذا ملك أمرهم.

أسئلة الفهم

1 – ما هو شرط الحياة السياسية  حسب النص رقم 1؟
2 – هل تختلف الدولة المعاصرة عن  المدينة عند الإغريق وفي العصر القديم  ولماذا؟
3 – حدد دلالة مفهوم السياسة لغويا
4 – حدد حسب النص رقم 2 دواعي الحاجة إلى السياسة وقدم مثالا لذلك.
5 – إذا كان مفهوم السياسة يدل على تدبير الشأن العام فما هي آليات ذلك التدبير في الواقع؟
7 –    حدد من بين تلك الآليات أبرز مؤسسة من مؤسسات تدبير الشأن العام ولماذا؟

الإجابة عن أسئلة الفهم:

1 – تشترط الحياة السياسية وجود المدينة La Cité
2 – لا تختلف الدولة المعاصرة عن المدينة عند الإغريق وفي العصر القديم  لأن كليهما يؤدي نفس الوظيفة كما يعتبر كليهما تنظيما سياسيا واجتماعيا
3 – السياسة من حيث اشتقاقها اللغوي العربي مشتقة من فعل ساس يسوس. يقال  سَوَّسَهُ القوم : جعلوه يَسُوسُهم . ويقال : سُوِسَ فلان أمر بني فلان ، أي كُلِّف سياستهم. وسُوِسَ الرجل أمور الناس ، إذا ملك أمرهم. من هنا تكون لفظة السياسة دالة على تكليف تدبير أمور الناس . ودلالتها  الفلسفية لا تختلف عن هذا التعريف، فهي تدل فلسفيا على تدبير شؤون أفراد المجتمع، كما تعني أسلوب أو نمط حكم الدولة، وكيفية توجيه مواطنيهااعتمادا على السلطة والقانون.
4 –    تتولد الحاجة إلى السياسة عند تضارب الآراء والمصالح، ومثال ذلك النزاع حول الأرض.
5 – تتعدد آليات تدبير الشأن العام، فمنها الدولة ومنها الحكومة ومنها القضاء ومنها الشرطة والسجن والإدارات
6 – تعتبر مؤسسة الدولة أبرز مؤسسة سياسية تعمل على تدبير الشأن العام لأن جميع المؤسسات تنضوي تحت لوائها وتخضع لسلطتها وتعمل وفق النظام التي تسنه.
7 –  يطرح مفهوم السياسة جملة من الإشكالات من بينها:
        إذا كانت السياسة هي فن تدبير الشأن العام فكيف يدبر  ذلك الشأن؟
       هل يمكن القول بأن السياسة قرينة الحق والعدالة؟ أم أنها يمكن أن تتعدى الحق والعدالة إلى العنف؟

تقديم مجزوءة السياسة

إن الحديث عن السياسة حديثٌ عن تنظيم المجتمعات الإنسانية، بشكل يحفظ الإستقرار والأمن، ويسمح باستمرار الجنس البشري. أو لنقل، إن السياسة هي تنظيم المجتمعات الإنسانية، وهذا ما يتضح جليا من خلال دلالتها وأصلها الأشتقاقي. فالسياسة Politic مشتقة في أصلها  من اللفظة اليونانية polis والتي تعني المدينة، هذه الأخير تدل على ذلك الكيان الاجتماعي المنظم الذي تتكامل وظائف أعضائه من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي، هؤلاء الأعضاء الذين ينبغي أن تتأسس علاقاتهم على فضيلة العدالة، وأن تتوجه حياتهم صوب تحقيق مثال الخير الأسمى، والسعادة الأكمل. وحتى في دلالتها اللغوية العربية، فالسياسية مشتقة من فعل ساس يسوس، يقال  سَوَّسَهُ القوم : جعلوه يَسُوسُهم . ويقال : سُوِسَ فلان أمر بني فلان ، أي كُلِّف سياستهم. وسُوِسَ الرجل أمور الناس ، إذا ملك أمرهم. وبالتالي فالسياسية تعني تدبير الشأن العام وتعنى بها.
ولعل الذي جعل السياسة ضرورة ملحة، هو تضارب آراء الأفراد وتقاطع مصالحهم. فلا يختلف اثنان حول حب الإنسان للتملك والسيطرة، كما لا يمكن أن نختلف حول اختلاف الأفراد في رؤاهم وميولاتهم وأهوائهم، هذا التقاطع في المصالح والاختلاف في الرؤى والآراء قد يؤدي إلى الصراع الذي قد يؤدي بدوره إلى العنف والاقتتال. فكان من الضروري تنظيم المجتمع الإنساني وفق نظام يسمح بتدبير الاختلاف والصراع تدبيرا عقلانيا، ومن ثمة جاءت السياسة بما هي هذا التدبير العقلاني للاختلاف بين الأفراد.
غير أن السياسة تحتاج أجهزة يمكن من خلالها تدبير الشأن العام، وهي الأجهزة التي نصطلح عليها الأجهزة السياسة.  ولعل أبرز جهاز سياسي على مر التاريخ الإنساني، هو جهاز الدولة. هذه الأخيرة تعتبر كوسيلة لتدبير الشأن العام عبر مجموعة من الآليات والمؤسسات الأخرى. لكن، لا يمكن الحديث عن الدولة إلا بالوقوف عند العنف، كآلية رافقت العملية السياسية، سواء كآلية للتدبير أو كظاهرة لازمت التاريخ الإنساني. زيادة على ذلك، فالحديث عن السياسة  لا يستقيم إلا من خلال الوقوف عند مفهومين آخرين مرتبطين بالممارسة السياسية، ولنقل تتأسس عليهما الممارسة السياسية وهما مفهوما الحق والعدالة، فلا يمكن للسياسة أن تفلح في غاياتها إلا إذا كانت سياسة عادلة، والسياسة العادية هي التي تأخذ بعين الإعتبار حقوق الأفراد .
كل ذلك يفتحنا على مجموعة من التساؤلات من بينها: كيف يتم تدبير الشأن العام؟  هل تتم الممارسة السياسية عبر مبدأ الحق والقانون والعدالة أم عبر مبدأ العنف والقوة؟

 

إغلاق